ابن عجيبة

344

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ثم بيّن أن المعول على اللّه ونصرته ، لا على السلاح والآلات بقوله : هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ ، أي : قواك بقوته الأزلية ، ونصرك بنصرته الأبدية ، ووفق المؤمنين بإعانتك على عدوك . ثم بيّن سبحانه أن نصرة المؤمنين لم تكن إلا بتأليفه بين قلوبهم ، وجمعها على محبة اللّه ومحبة رسوله ، بعد تباينها بتفرقة الهموم في أودية الامتحان ، بقوله : وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ . وقال القشيري : الإشارة بقوله : تُرْهِبُونَ : إلى أنه لا يجاهد على رجاء غنيمة ينالها ، أو إشفاء صدر عن قضية حقد ، بل قصده أن تكون كلمة اللّه هي العليا . ه . ثم دلّ على الصلح لمصلحة ، فقال : [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 61 إلى 63 ] وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 61 ) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ ( 62 ) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 63 ) يقول الحق جل جلاله : وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ أي : وإن مالوا للصلح فَاجْنَحْ لَها أي : فصالحهم ، ومل إلى المعاهدة معهم ، وتوكل على اللّه ؛ فلا تخف منهم أن يكونوا أبطنوا خداعا ؛ فإن اللّه يعصمك من مكرهم ؛ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ « 1 » ، إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لأقوالهم ، الْعَلِيمُ بأحوالهم . وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ بعد الصلح فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ أي : فحسبك اللّه وكافيك شرهم ، هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ أي : قواك ونصرك بِنَصْرِهِ ؛ تحقيقا ، وَبِالْمُؤْمِنِينَ ؛ تشريفا ، أو بِنَصْرِهِ قدرة وَبِالْمُؤْمِنِينَ حكمة ، والقدرة والحكمة منه وإليه ، فلا دليل عليه للمعتزلة حيث نسبوا الفعل للعبد ، وقالوا : العطف يقتضى المغايرة . وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ مع ما كان فيها في زمن الجاهلية من المعصية والضغائن والتهالك على الانتقام ، حتى لا يكاد يأتلف فيهم قلبان ، ثم صاروا كنفس واحدة ، وهذا من معجزاته صلّى اللّه عليه وسلّم . قال تعالى : لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ، في إصلاح ما بينهم ، ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ؛ لتناهى عدواتهم إلى حد لو أنفق منفق في إصلاح

--> ( 1 ) من الآية 42 من سورة فاطر .